|
القرار الأخير قصة قصيرة
كتبتها/ الطالبة أسماء الحديدي مستوى رابع/لغة عربية
توجه - بخطوات مرتعدة تسندها عصا - من غرفته إلى الغرفة المجاورة - التي يتواجد فيها ابنه (أحمد) بعد عودته من العمل - وذلك لكي يشتكي له ألماً يعتصر في معدته، فاستوقفه وهو أمام الباب صوت زوجة ابنه (ليلى) وهي تقول بكلمات تتدافع كالرصاصات :إن أباك لم يكفه أنني أخدمه ليل نهار، بل ويحشر أنفه في كل صغيرة وكبيرة؛ مما يولد في نفسي شعوراً أنني لست صاحبة المنزل، وإنما خادمة.. عليها السمع والطاعة، وأنا لست مستعدة لهذا الانقلاب، فإما أنا في هذا المنزل وإما والدك. لقد نبشت هذه الجملة ذاكرة الأب فهي موجودة في تاريخه بعثت بعد عشرين عام لتمتد إلى أغواره وتعصر فؤاده .. لم يسمع بقية الحديث لأنه لم يعد موجوداً في الحاضر، فقد أعادته هذه الجملة إلى الوراء إلى الماضي حيث كان يقف أمام زوجته (حالمة) في ليلة حالكة الظلمة، يثقبها صوت المطر الذي يراقصه الريح في كل اتجاه، لقد كان يتودد إليها وكانت تصده بعنفوان ذالك الريح، وهي تقول: إنك لن تجد إلي سبيلاً حتى تتخذ الآن موقفاً بشأن أبيك، فوالدك لم يعد يستطيع النهوض حتى لقضاء حاجته .. وانفجرت باكية، فدنا منها ليهون عليها، فصدته بنفس العنفوان قائلة: الآن تقرر.. إما أنا في هذا المنزل، وإما والدك. عندها اتجه - محمر الوجه مقطب الجبين - إلى حيث يرقد جسد أبيه الهزيل، الذي أخذ الدهر من قوته ما أخذ، وتركه كالطفل الصغير. فافترش له على الأرض لحافاً، ثم حمل ذالك الجسد - الناتئة عظامه، وتصليه الحمى ليل نهار - وألقاه في وسط ذالك اللحاف، ثم لفه به وحمله بين يديه متجهاً به خارج البيت حتى وضعه في الجانب الخلفي من السيارة، وانطلق به حتى وقف أمام منزلٍ مهجورٍ- جدرانه من اللبن، وسقفه من سعف النخيل، تتلاعب به الرياح وتخترقه حبات المطر - وخرج من السيارة حاملاً جسد والده، ودخل به هذه الدار القديمة، ووضعه على أريكة ٍ باليةٍ لا يؤبه لها، ثم انطلق بسيارته عائداً إلي منزله الفخم، المنيعة جدرانه ،الدافئة أرجاؤه ودخل منزله متهللة أساريره وكأنه قام بانجاز عظيم، ودخل على زوجته فاتحاً ذراعيه، وقال : الآن.. الآن ..، وقضى ليلته في أحضان زوجته ينعم برضاها حتى بددت طلعة الفجر ظلمة الليل، وانطلق كل حي يبحث عن رزقه، وكذلك انطلق هو إلى مكتبه قائلاً لزوجته : لا تنتظرني على الغداء لأنني سأرحل إلى المدينة بعد الدوام لأحجز لأبي مكاناً في دار العجزة، ولا تنسي أن ترسلي له طعاماً مع أحمد إلى . وفي الساعة السابعة بعد المغرب عاد والد أحمد من المدينة قائلاً لزوجته : لقد حجزت لأبي في دار العجزة وسأنطلق به إلى المدينة بعد أن أتناول طعام العشاء، حينها لطمت الزوجة خدها قائلةً : يا إلهي .. لقد شغلتني أعمال المنزل عن أبيك، فلم أرسل له الطعام منذ الصباح .. ففزع قائلاً: ما الذي فعلته، وانطلق إلى الدار القديمة حيث ترك والده وفي يده بعض الطعام، حتى وصل.. فوجد الدار قد ملأها الماء والسقف قد طارت به رياح البارحة، ووجد جسد أبيه ساكناً فوق الماء وقد ضم ركبتيه إلى صدره من شدة البرد، فدنا منه وحركه فإذا هو قد تيبس، وقد خلت منه الحياة، فجثا على ركبتيه باكياً، وهو يقول: (ما الذي فعلته بأبي) وبينما السالفات من الذكريات تتململ أمام الأب إذ بصوت زوجة ابنه يعود به إلى أرض الحاضر، وقد أشارت إليه بالسبابة قائلة :( هلم يا أحمد لترى فضول أبيك، يختبئ خلف الباب .. الآن يجب أن تقرر.. إما أنا في هذا المنزل، وإما أبيك.. هيا قرر). |